الشيخ محمد اليعقوبي
127
الحوزة الشريفة أدوار ومسؤولياتها
وجهات النظر المعروضة من قبل الأساطين وغير المعروضة مما يحتمل ورودها في المسألة ويقارن بينها بعد تحليلها وتقييمها ومعرفة أسباب اختلاف الفقهاء ومناشئ أقوالهم وسينمي تلاقحاً فكرياً عميقاً . وسيعطي قدرة أكبر وصورة أوضح لاختيار الرأي الأصوب ؛ لأنه يتيح رؤية هذه الصورة الأوسع للأقوال والاحتمالات في المسألة مع الاستدلال على تلك الأقوال . وبناءً على ذلك فإن مرتبة البحوث الخلافية أرقى من البحوث الاستدلالية وأوسع أفقاً وإدراكاً ؛ لأن الثانية تكتفي بالاستدلال على الحكم في المسألة مع إجابة ما يمكن أن يرد عليه من الإشكالات ، أما الثانية فتتوسع لمناقشة الآراء المحتملة في المسألة وهذا يتطلب ذهنية وقّادة لإدراك تلك المحتملات ، واطلاعاً واسعاً لمعرفة تلك الأقوال ، وتحقيقاً معمقاً لمعرفة مباني وأدلة تلك الأقوال أو ما يمكن أن يكون كذلك ؛ لأن بعض الفقهاء ليس لهم كتب استدلالية فلا بد من صناعة الدليل لهم . وهذه المراحل قطعها الشيخ الطوسي ( قدس سره ) عند تأليف كتابه ( الخلاف ) ، فقد ألف أولًا كتاب ( النهاية ) في الفقه وذكر فيه المسائل الفقهية المتلقاة من نصوص المعصومين ( عليهم السلام ) ، ثم ألّف كتاب ( المبسوط ) وذكر فيه الفروع الفقهية المستنبطة من تلك المسائل الأصلية ، ثم ألف كتاب ( الخلاف ) وذكر فيه ( ( مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جمع الفقهاء من تقدم منهم ومن تأخر ، وذكر مذهب كل مخالف على التعيين ، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد ) ) « 1 » . هذه كلها ثمرات وفوائد توخّيناها عندما اخترنا البحث في المسائل الخلافية ، وهي لعمري تستحق أن يُبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيقها بلطف الله تبارك وتعالى .
--> ( 1 ) مقدمة كتاب فقه الخلاف لسماحة الشيخ ( دام ظله ) .